الغزالي

81

إحياء علوم الدين

بأوتار أنبتها من أحد طرفي العظم ، وألصقه بالعظم الآخر كالرباط له ، ثم خلق في أحد طرفي العظم زوائد خارجة منه ، وفي الآخر حفرا غائصة فيه موافقة لشكل الزوائد لتدخل فيها وتنطبق عليها ، فصار العبد إن أراد تحريك جزء من بدنه لم يمتنع عليه . ولولا المفاصل لتعذر عليه ذلك . ثم انظر كيف خلق عظام الرأس وكيف جمعها وركَّبها ، وقد ركَّبها من خمسة وخمسين عظما مختلفة الأشكال والصور ، فألَّف بعضها إلى بعض بحيث استوى به كرة الرأس كما تراه ، فمنها ستة تخص القحف ، وأربعة عشر للحى الأعلى واثنان للحى الأسفل ، والبقية هي الأسنان بعضها عريضة تصلح للطحن ، وبعضها حادة تصلح للقطع ، وهي الأنياب ، والأضراس ، والثنايا . ثم جعل الرقبة مركبا للرأس ، وركَّبها من سبع خرزات مجوفات مستديرات ، فيها تحريفات وزيادات ونقصانات لينطبق بعضها على بعض ، ويطول ذكر وجه الحكمة فيها . ثم ركب الرقبة على الظهر ، وركب الظهر من أسفل الرقبة إلى منتهى عظم العجز من أربع وعشرين خرزة ، وركب عظم العجز من ثلاثة أجزاء مختلفة ، فيتصل به من أسفله عظم العصعص وهو أيضا مؤلف من ثلاثة أجزاء ، ثم وصل عظام الظهر بعظام الصدر ، وعظام الكتف ، وعظام اليدين وعظام العانة ، وعظام العجز ، وعظام الفخذين والساقين وأصابع الرجلين ، فلا نطوّل بذكر عدد ذلك ومجموع عدد العظام في بدن الإنسان مائتا عظم وثمانية وأربعون عظما ، سوى العظام الصغيرة التي حشي بها خلل المفاصل . فانظر كيف خلق جميع ذلك من نطفة سخيفة رقيقة . وليس المقصود من ذكر أعداد العظام أن يعرف عددها ، فإن هذا علم قريب يعرفه الأطباء والمشرحون ، وإنما الغرض أن ينظر منها في مدبرها وخالقها أنه كيف قدّرها ودبرها ، وخالف بين أشكالها وأقدارها ، وخصّصها بهذا العدد المخصوص ، لأنه لو زاد عليها واحدا لكان وبالا على الإنسان يحتاج إلى قلعه ، ولو نقص منها واحدا لكان نقصانا يحتاج إلى جبره . فالطبيب ينظر فيها ليعرف وجه العلاج في جبرها . وأهل البصائر ينظرون فيها ليستدلوا بها على جلالة خالقها ومصوّرها . فشتان بين النظرين ثم انظر كيف خلق الله تعالى آلات لتحريك العظام وهي العضلات ، فخلق في بدن م 11 : خامس عشر - إحياء